الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

287

نفحات الولاية

« أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ الْوَفاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَلا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ وَما يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنا فِي زَمانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ . ما لَهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَها مانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، فَيَدَعُها رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ » . الشرح والتفسير لم يذكر شرّاح نهج‌البلاغة - حسب علمنا - سبب إيراد هذه الخطبة ، إلّاأنّ الرابطة المعنوية بين هذه الخطبة والخطبة رقم 35 وسائر القرائن تشير إلى انّ هذه الخطبة ناظرة لمعركة صفين وقضية التحكيم ، لأنّ مسألة التحكيم المأساوية اتخذت أبعاداً واسعة في البحث والنقاش بين صفوف المسلمين - ولعل بعض الجهال نسب مكر عمرو بن العاص وخيانته وغدره إلى الكياسة والفطنة ؛ الأمر الذي قد يشجع الآخرين لممارسة مثل هذه الأعمال الشائنة البعيدة عن الإسلام وتعاليمه الحقة ، ومن هنا خطب الإمام عليه السلام هذه الخطبة ليقبر هذه الأفكار المنحرفة ويحد من شياعها بين الناس ، ثم عرض بالذم إلى المكرو والخديعة ونقض الميثاق وأشار إلى العواقب الوخيمة التي تفضي إليها هذه الأعمال ثم أثنى على الوفاء والصدق فقد إستهل الخطبة بخطاب الجميع « أيها الناس إن الوفاء توأم « 1 » الصدق » . التوأم بمعنى الذي يولد مع الآخر في حمل واحد ، ويستعمل بشأن كل شيئين يرتبطان معا برابطة وثيقة ، ومن هنا فقد شبه الإمام عليه السلام فضيلتي الوفاء والصدق بالتوأم ولعل التمعن في مفهوم هاتين الصفتين ومصدرهما الفكري

--> ( 1 ) « توأم » من مادة « وئام » بمعنى الموافقة حسبما صرح بعض أرباب اللغة ، بينما ذهب البعض كصاحب‌المقاييس إلى أنّ التاء أصلية ، واتئام ( مصدر باب إفعال ) بمعنى ولادة أحد مع الآخر من حمل واحد .